في الوقت الذي لازالت فيه إثيوبيا تلتزم الصمت إزاء الرد على مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوسط في النزاع مع مصر حول سد النهضة، برزت مؤشرات تعكس رفضًا رسميًا، تجسدت في انتقادات أبرزتها وسائل إعلام إثيوبية.
وقالت بلين مامو مديرة تحرير مجلة "هورن ريفيو"، والباحثة في شؤون القرن الأفريقي، إن تصريحات ترامب لا تعد عرضًا سياسيًا بقدر ما هي دراسة في دلالات القوة، وأشارت إلى أن خطابه بهذا الصدد اتسم بتناقضات سطحية، ونبرة عاطفية حادة، وانتقائية استراتيجية.
واعتبرت أنه من خلال وصفه لرئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد بأنه "قائد قوي" يعكس هذه الديناميكية، يرفض ترامب ضمنيًا أي سردية تُشير إلى إمكانية إجبار إثيوبيا على تقديم تنازلات بشأن سد النهضة.
خطاب ترامب
ورأت مامو أن خطاب ترامب يهدف لإثارة حالة من الإلحاح والقلق، لا سيما بين أصحاب المصلحة في المصب (مصر والسودان)، وقالت إنه يُركز على المخاوف المصرية دون الانحياز صراحةً إلى القاهرة. من خلال تصوير النيل على أنه عرضة للخطر والسد على أنه منيع،.
وذكرت أن ترامب يخلق سيناريو من الإلحاح الشديد يبرر التدخل الخارجي، الأمر الذي اعتبرته يحمل رسالة ضمنية "ليست بأن إثيوبيا مذنبة، بل أن الوضع محفوف بالمخاطر بطبيعته وله عواقب وخيمة".
غير أن مامو قللت إنه لا يمكن فصل هذا الموقف عن علاقات ترامب الراسخة مع مصر، والتي ترتكز على عقود من التعاون الاستراتيجي بين واشنطن والقاهرة.
وأضافت: "لطالما شكلت مصر ركيزة أساسية للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالأمن الإسرائيلي، والاستقرار الإقليمي، والدبلوماسية العربية الإسرائيلية".
دور مصر في تشكيل الائتلافات الإقليمية
وأشارت إلى الدور المحوري الذي لعبته مصر في عهد عبدالفتاح السيسي، في إعادة تشكيل الائتلافات الإقليمية التي توجت بالاتفاقيات الإبراهيمية، وهو إنجاز دبلوماسي كثيرًا ما يستشهد به ترامب كعلامة بارزة على إرثه، فضلاً عن ملفات أخرى، في القلب منها غزة.
ووصفت مديرة تحرير "هورن ريفيو"، التعاون الدفاعي والأمني بين الولايات المتحدة ومصر بأنه "طويل الأمد ومؤسسي، ويسبق كلًا من إدارة ترامب ونظام السيسي، ويشمل المساعدات العسكرية، والتدريبات المشتركة، وعلاقات التوريد، والتعاون المستمر مع شركات الدفاع الأمريكية".
أما على الصعيد الشخصي، فقد رأت أن علاقة ترامب بالسيسي تتسم بـ "الود بشكل ملحوظ"، وأعادت في الوقت ذاته التذكير بتصريحات ترامب خلال ولايته الأولى، التي ألمح فيها إلى أن مصر قد "تفجر" سد النهضة، وهو تصريح قوّض بشكل كبير ثقة إثيوبيا في حياد ترامب كوسيط، بحسب قولها.
وفي المقابل، أشارت مامو إلى أن إثيوبيا بذلت جهودًا محدودة نسبيًا لإقامة تواصل سياسي أو شخصي مباشر مع ترامب، مما خلق تفاوتًا في الوصول والتأثير لا يزال يؤثر على التصورات حول دوره في نزاع النيل.
وقالت إن التعامل الدقيق مع ترامب يتطلب فهم المنطق المميز الذي يتبعه في إدارة الشؤون الدولية: "فهو يُفضّل النفوذ على الشرعية، والسلطة الشخصية على الإجراءات المؤسسية، والقدرة على التنبؤ على الدقة التقنية".
تدخل إسرائيل والإمارات
واقترحت في هذا السياق: "يمكن لإسرائيل والإمارات العربية المتحدة - نظرًا لعلاقتهما الشخصية الجيدة مع ترامب، ودورهما المحوري في الاتفاقيات الإبراهيمية وخطة السلام في غزة، ومصداقيتهما في واشنطن- أن تلعبا دور الوسيط القادر على إعادة تموضع إثيوبيا لا كطرف متنازع هامشي، بل كدولة يتقاطع استقرارها واستمراريتها بشكل مباشر مع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها".
وأوضحت في الوقت نفسه، أنه "بدلاً من تجاهل تصريحات ترامب، ستستفيد إثيوبيا من تبني إطار تفاوضي مرحلي ومنظم يُرسخ سد النهضة كواقع عملي، ويُراعي أي توجهات سياسية مستقبلية قد تُثير رد فعل مصري مبالغ فيه".
وفي إطار هذا السيناريو، رجحت مامو أن "يُوفر إمكانية التنبؤ بدلاً من التنازلات، من خلال تدابير وآليات لبناء الثقة تُمهد الطريق لمناقشات سياسية أوسع دون المساس بالأسس السيادية".
وشددت على أنه "ينبغي صياغة التواصل بأسلوب ترامب المُفضل - الموجز، والواضح، والمُوجه نحو تحقيق الصفقات - مع التركيز على إدارة المخاطر، والاستقرار، والمكاسب المُتبادلة بدلاً من الادعاءات القانونية أو الهيدرولوجية المجردة".
كما نصحت إثيوبيا بتجنب المبالغة في رد الفعل على الإشارات الخطابية، والسماح للوقت واستمرار تشغيل سد النهضة بتقويض الخطابات المُثيرة للذعر، مع التعبير سرًا عن المخاوف بشأن جهود مصر لتشكيل التصورات باعتبارها متغيرات استراتيجية ملموسة وليست مظالم سياسية.
وخلصت مدير تحرير "هورن ريفيو" إلى أنه "يجب على إثيوبيا أن تُدرك أن مخاوف مصر تتجاوز الآن نهر النيل نفسه. فمع استقلالية سد النهضة التشغيلية والتقنية إلى حد كبير، تتجه أهداف القاهرة بشكل متزايد نحو تقييد مشاريع إثيوبيا المستقبلية لتطوير السدود، ساعيةً إلى إبرام اتفاقيات ملزمة تمنح مصر نفوذًا على تشغيل السد، وتحدّ استباقيًا من قدرة إثيوبيا على تطوير بنية تحتية مائية إضافية".
وقالت إن "إدراك هذا التحول واستباقه أمرٌ ضروري إذا أرادت إثيوبيا التعامل مع واشنطن، وترامب تحديدًا، من منطلق وضوح استراتيجي لا رد فعل دفاعي".

